حسن الأمين
311
مستدركات أعيان الشيعة
وببلوغ بغداد ، وفي سبيل ذلك كاد يلقى حتفه الأكيد . ( 1 ) وبعملهم السياسي أعيد « أبو أحمد » إلى النقابة ، وخلع على « المرتضى » يلقب - ذي المجدين - وظل « المرتضى » يناصر « بهاء الدولة » ويعادي من عاداه ، ويسند من سانده من الوزراء والقادة ، حتى بلغ أخوه « الرضي » منه ما بلغا من مجد ومناصب حكومية . والذي بدا لي من تتبع جملة شعره ومؤلفاته ، أن الوزراء والقادة الذين ألف لهم ، أو مدحهم ، أو رثاهم كانوا يشكلون وإياه كتلة سياسية ( 2 ) تعمل في حقل سياسي واحد ، وليس بين ممدوحيه ومرثييه - استثنى العلماء من خلصائه - من لم يكن من هذه المجموعة العاملة على دعم كيان « آل بويه » ممثلا بالتعاقب في الملك « بهاء الدولة » أو الملك « سلطان الدولة » أو الملك « جلال الدولة » . وحين تختلف الأسرة البويهية وتحترب فيما بينها على السلطان - وطالما احتربت - يقف هذا النفر من كتلته في صف واحد ، يواجهون الأحداث السياسية مجتمعين متعاونين ، يعمل هذا سيفه ، وذاك قلمه ، وذاك رأيه ، في سبيل العمل السياسي المشترك . وأكثر ما يعجبني منه سياسيا - حال من المرتضى - أنه ما كان يكل أو يمل عن العمل في أسوأ الظروف دقة وحراجة ، فقد مرت بالملك « جلال الدولة » ظروف عسيرة ، أخرج فيها من « بغداد » ، وظل المرتضى يسنده ويحمي ظهره حتى عاد إليها . وفتك « سلطان الدولة » بوزيره « فخر الملك » - وكان من كتلة « المرتضى » في العمل السياسي - فثارت ثائرة « المرتضى » على السلطان ، وانقطع عنه ، ورثى صديقه الوزير المقتول بقصائد من شعره ، متوعدا « آل بويه » بما سيلقون من اضطراب الأمور ، وسوء المصير . ولم يعد للتعاون مع « سلطان الدولة » ( 3 ) إلا بعد أن وصل إلى « بغداد » وألح على « المرتضى » بالعدول عن موقفه ، ولم يعدل « المرتضى » عن موقفه إلا بعد أن انكشف له أن قتل « فخر الملك » كان اجتهادا مخطئا ، أدى إليه وشاية بعض الناس . كان حظ « المرتضى » من عمله السياسي موفورا ، بما أصاب من منزله في الدولة ، وبما اجتمع لديه من ثراء كان مضرب الأمثال ، وكان يستأنس برأيه ، ويصغي إلى كلمته ، ويلجا إليه في جليل الأمور ودقيقها ، كلما ثارت ثائرة ، أو قامت نائرة . وليس الذي نذهب إليه من مقامه السياسي ، ومنزلته في إدارة دفتها بالذي استقيناه من سيرته وحدها ، أو من تاريخ العصر الذي عاش فيه ، وإنما له شاهد من شعره ، ومصدر من نصوص أدبه ، فقد تحدث عن عمله السياسي حديثا مطنبا ، أتى على جملة ماله من أثر فيها : ومقامي من الخلائف في يوم اجتماع الوفود خير مقام ما لغيري مثل الذي لي منهم من صنوف الإعظام والإكرام لم يزالوا ولن يزالوا مشيدين محلى مجز لي أقسامى ومهيبين بي وقد عنت الشورى إلى الرأي في الأمور الجسام ويعافون كل ورد به الري إذا كان لا يبل أوامي ويردون سرحهم عن جميم القاع ما لم تكن به أنعامي وتخلي أكفهم محصدات الشر ما لم يكن بهن اعتصامي ملكوا ربقتي لما سيروه من لصوقي بودهم والتزامي فلهم أن عفوت يوما عن الذنب ومن أجلهم يكون انتقامي وإليهم إذا تحيز أقوام لقوم تحيزي وانضمامي وتخصصت بالملوك يلبون ندائي ، ويسمعون كلامي وإذا ما أذممت يوما عليهم في عظيم أمضوا هناك ذمامي ومتى أعضلت خطوب صعاب أو وهى للملوك سلك نظام جعلوني دليلهم في ضلال موبد أو صباحهم في ظلام كم كفيت الكلوم بالكلم الغر وحد السيوف بالأقلام قد رأوا يوم هيجوا ملك « البصرة » كفي له عن الأقدام بعد أن أزمع اللقاء وأهوى لاقتناص الكلى هوي القطام وتراءت للناس شنعاء صماء تجوب الدجى بغير خطام قلدوني إصلاحها ورموا بي طلب السلم في صعاب المرامي فتلاقيت درءها باعتدالي ودعمت اعوجاجها بدعامي « 4 » وهكذا نراه يستعرض في قصيدته هذه جملة ما له من مزايا سياسية ، وينوه بمواقف لها شاهد معلوم من التاريخ ، كثورة « البصرة » وأصلا ذلك بما أتاه عمله السياسي من مقام في الدولة ، وفي نفوس الخلفاء والملوك . وليست هذه القصيدة بالمتفردة في ديوانه ، بل له في وصف عمله السياسي شعر كثير منها الأبيات الآتية المقتبسة من قصيدة مطولة : وحللت أندية الملوك مجيبة صوتي ومصغية إلى توقيفي وحميتهم بالحزم كل عضيهة وكفيتهم بالعزم كل مخوف وإذا هم نكروا غريبا فاجئا فزعوا بنكرهم إلى تعريفي دفعوا بي الخطب العظيم عليهم واستعصموا حذر العدي بكنوفي ولقد حفل ديوانه بشعر سياسي كثير ، وأشده ظهورا في العمل السياسي ما عنونه بكلمة « وقال في غرض » مخفيا غاياته تحت هذه الكلمة المبهمة ، ولكن الغرض منها يبدو سياسيا صريحا ، حين يستطرد القارئ إلى ما تحت العنوان . فمما عنونه بهذا العنوان قصيدته الآتية : ألا قل للاجادل من « بويه » أرى أودا شديدا واعوجاجا ومثقلة كئودا لا تداوى وداهية صموتا لا تناجي دياركم لكم قولا ويجبى سواكم من جوانبها الخراجا وفي أرجاء « دجلة » مؤبدات وأدواء نريد لها علاجا رعانا بعدكم من كان يرعى على الغيطان أبلا أو نعاجا فمن عنا يبلغكم خطوبا إذا ذكرت يصم لها المناجى تملكنا ببعدكم الأعادي وعاد نميرنا ملحا أجاجا فما نرجو لتيهتنا رشادا ولا نرجو لضيقتنا انفراجا وإن بنا وما يدري المعافي شجى بالصدر يعتلج اعتلاجا وإن السرح تحميه أسود فلا درا نصيب ولا نتاجا
--> ( 1 ) الديوان ج 1 ص 113 . ( 2 ) يشير إلى القلعة التي كانت لهلال فاستولى عليها فخر الملك . ( 3 ) يريد بهاء الدولة .